سيد محمد طنطاوي
343
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فيقول : قم بنا نزداد إيمانا . وعنه : « لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به » « 1 » . وقال ابن كثير : روى البخاري عن ابن عباس : قال : « حَسْبُنَا اللَّه ونِعْمَ الْوَكِيلُ » قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقى به في النار . وقالها محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم « . وعن أبي هريرة - رضى اللَّه عنه - أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : « حسبنا اللَّه ونعم الوكيل » « 2 » . ثم حكى - سبحانه - ما تم لهؤلاء المجاهدين الذين خرجوا للقاء أعدائهم من عاقبة حسنة وعود حميد فقال - تعالى - : * ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ، واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّه ، واللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) * . فالفاء في قوله * ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ ) * للتعقيب ، وهي معطوفة على مقدر دل عليه السياق . ومعنى * ( فَانْقَلَبُوا ) * عادوا ورجعوا . والنعمة : هي العطاء الذي ينفع صاحبه . والفضل : الزيادة في العطاء والنعمة . والمعنى : أن هؤلاء المجاهدين الصادقين خرجوا للقاء أعدائهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة فلم يجدوهم ، فرجعوا إلى ديارهم مصحوبين * ( بِنِعْمَةٍ ) * عظيمة * ( مِنَ اللَّه ) * - تعالى - ، إذ خذل أعداءهم ، وسلمهم من شرورهم ، ومصحوبين بفضل جليل منه - سبحانه - حيث أغدق عليهم ربحا وفيرا في تجارتهم ، وأجرا جزيلا بسبب قوة إيمانهم ، وإخلاصهم في دينهم . قال الآلوسي : « روى البيهقي عن ابن عباس أن عيرا مرت في أيام الموسم - أي موسم بدر - فاشتراها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل » . وأخرج ابن جرير عن السدى قال : أعطى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حين خرج في غزوة بدر الصغرى أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم ، فأصابوا تجارة - فربحوا فيها » « 3 » . وقوله * ( بِنِعْمَةٍ ) * في موضع الحال من الضمير في * ( فَانْقَلَبُوا ) * فتكون الباء للملابسة أو للمصاحبة فكأنه قيل : فانقلبوا متلبسين بنعمة أو مصاحبين لها .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 442 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 430 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 129 .